ربما جرّب بعض موظفيك أدوات ذكاء اصطناعي عامة، ووجدوا فيها فائدة في مهام فردية مثل صياغة رسالة أو تلخيص مستند. لكن هذه الأدوات تبقى خارج أنظمة العمل: لا تعرف بيانات الشركة، ولا تلتزم بقواعدها وصلاحياتها، ولا يمر ما تنتجه بخطوات الاعتماد المعتادة.
أما حين يعمل الذكاء الاصطناعي داخل النظام الذي تستخدمه الشركة، فإنه يقرأ ما يُسمح له بقراءته فقط، ويقترح نتيجته في الشاشة التي يعمل عليها الموظف، ويمر ما ينتجه بالمراجعة نفسها التي يمر بها أي عمل آخر. والسؤال هنا ليس أي تقنية تختار، بل من أين تبدأ، وكيف تبني الخطوة الأولى بحيث تعرف بعدها إن كانت تستحق التوسع.
نقترح أربع خطوات عملية: اختيار عملية واحدة، وتحديد النتيجة المتوقعة، ومراجعة المُخرَجات، ثم التوسع خطوة بعد خطوة. ونشرح مع كل خطوة ما تعنيه تقنياً، وما أثرها على العمل اليومي.
اختر عملية واحدة بقواعد وبيانات واضحة
ابحث عن عملية تتكرر كثيراً، وقواعدها مكتوبة أو يمكن كتابتها، وبياناتها موجودة في النظام أو في مستندات متشابهة الشكل. فكلما كانت القواعد أوضح سهُل الحكم على النتيجة، وكلما كانت البيانات أنظف قلّ ما يحتاج إلى تصحيح لاحقاً. ومن أمثلة هذه العمليات:
- قراءة فواتير الموردين واقتراح بياناتها في نموذج الإدخال.
- تصنيف الطلبات والرسائل الواردة وتوجيهها إلى القسم المعني.
- تجهيز مسودات ردود على الاستفسارات المتكررة من مستندات الشركة وإجراءاتها.
- مطابقة أوامر الشراء مع الفواتير وإشعارات الاستلام، وإظهار الفروقات لمن يراجعها.
في المقابل، لا تبدأ بعملية لم يتفق الفريق بعد على قواعدها. فإذا اختلف قسمان على اللحظة التي يُعدّ فيها الطلب مكتملاً، فلن يحسم الذكاء الاصطناعي هذا الخلاف، بل سيكرره بسرعة أكبر. وإذا كانت قاعدة بسيطة في النظام تكفي لأداء المهمة، فهي أوضح وأسهل في الصيانة.
أين تقع الخطوة الآلية في سير العمل
حدّد بدقة النقطة التي يدخل فيها الاقتراح الآلي: بعد أي خطوة، وقبل أي خطوة. في قراءة فواتير الموردين مثلاً، تأتي الخطوة الآلية بعد رفع المستند وقبل الحفظ، فيرى الموظف الحقول مملوءة ويصححها قبل أن يعتمدها. أما الخطوات التي تُنشئ قيوداً محاسبية أو ترسل ردوداً إلى العملاء فتبقى بعد الاعتماد البشري، لا قبله.
بهذا يبقى سير العمل كما يعرفه الفريق، ويتغير مصدر المسودة فقط. وإذا توقفت الميزة لأي سبب، يستمر العمل يدوياً من النقطة نفسها دون أن يتعطل القسم.
البيانات والصلاحيات قبل أي شيء آخر
تحتاج الخطوة الآلية إلى بيانات تقرأ منها: نص المستند، وبيانات الأصناف أو الموردين، وربما سجل الطلبات السابقة. حدّد هذه البيانات بالاسم، ولا تمنح الميزة وصولاً عاماً إلى قاعدة البيانات كلها. فالقاعدة التي تطبقها على الموظفين تنطبق هنا: كل جهة ترى ما تحتاجه لعملها فقط.
وحدّد مع الإدارة ما يجوز معالجته وأين: ما يمكن إرساله إلى خدمة خارجية، وما يجب أن يبقى داخل بيئة الشركة، مثل الرواتب وبيانات العملاء الشخصية. ويضاف إلى ذلك سؤال العرض: إذا لخّصت الميزة مستنداً، فلا يجوز أن يظهر الملخص لموظف لا يملك صلاحية رؤية المستند الأصلي.
وقد تناولنا في مقال «صلاحيات المستخدمين وسجل التدقيق: أساس الثقة في أي نظام إداري» مبدأ منح كل مستخدم ما يحتاجه من الصلاحيات لا أكثر، وتسجيل من فعل ماذا ومتى. والمبدأ نفسه ينطبق على أي خطوة آلية داخل النظام.
حدّد النتيجة المتوقعة قبل البناء
قبل أي تجربة، اكتب ما يجب أن يتغير في العمل اليومي إذا نجحت، بصيغة يمكن التحقق منها. فعبارة مثل «نريد أن نوفّر الوقت» لا تكفي لتقرر بعد التجربة إن كانت ناجحة. وتساعدك الأسئلة التالية على صياغة النتيجة المتوقعة:
- ما الذي يدخل إلى العملية، وما الذي يجب أن يخرج منها؟
- ما الحالات التي تُحال إلى موظف مباشرة من دون اقتراح آلي؟
- كيف ستقارن النتيجة بالطريقة الحالية، مثل الوقت الذي يستغرقه الإدخال أو عدد التصحيحات التي يجريها المراجع؟
- من يملك العملية، ومن يقرر إن كانت التجربة قد حققت ما اتفقت عليه؟
تتحول هذه الإجابات إلى معايير لقبول الميزة، وتُقاس عليها النتائج طوال التجربة لا في نهايتها فقط. وقِس دائماً على النتيجة المتفق عليها، لا على انطباع عام بأن الميزة تعمل جيداً. فما لا يحقق المعايير لا يدخل إلى العمل اليومي، مهما بدا مقنعاً في العرض الأول.
راجع المُخرَجات وسجّل كل اقتراح
صمّم العملية من البداية بحيث يمر كل مُخرَج يؤثر في عميل أو في قرار على شخص مسؤول يراجعه قبل اعتماده، في الشاشة نفسها التي يعمل عليها. بهذا يتحول عمل الموظف من الإدخال إلى المراجعة، ويبقى القرار في يده.
الذكاء الاصطناعي يقترح، والشخص المسؤول يقرر. هكذا تبقى المسؤولية واضحة داخل النظام.
ومن الناحية التقنية، يحفظ النظام لكل اقتراح سجلاً واضحاً: ما الذي دخل إلى الخطوة الآلية، وما الذي اقترحته، ومن راجعه، وهل قبله كما هو أو عدّله أو رفضه. هذا السجل يجيب بعد أسابيع عن سؤال مثل «لماذا ظهرت هذه القيمة في الفاتورة؟»، ويكشف الحالات التي يتكرر فيها التصحيح. ويخضع السجل للصلاحيات نفسها، لأنه يحتوي على بيانات العمل.
وأشرك في التجربة من يؤدون العملية يومياً، فهم يعرفون الحالات الاستثنائية التي لا تظهر في العيّنات. وملاحظاتهم مع السجل هي ما يُبنى عليه قرار التوسع، لا الانطباع العام عن التجربة.
حين لا تكون الميزة متأكدة
لا يكفي أن يقترح النظام نتيجة؛ يجب أن يعرف متى يمتنع عن الاقتراح. فإذا كان المستند غير مقروء، أو جاءت قيمة خارج الحدود المعتادة، أو لم تجد الميزة صنفاً مطابقاً، فالتصرف الصحيح أن تُحال الحالة إلى الموظف مع توضيح السبب، لا أن تُملأ الحقول بتخمين. وتُكتب هذه الحالات في قواعد العملية مسبقاً، كي يعرف الفريق ما يحدث في كل منها.
توسّع خطوة بعد خطوة
حين تحقق التجربة النتيجة التي اتفقت عليها، وسّع نطاقها تدريجياً: إلى حالات أكثر من العملية نفسها، ثم إلى قسم أو فرع آخر، ثم إلى عملية قريبة تعتمد على البيانات نفسها. وقبل كل خطوة، راجع القواعد وخطوة المراجعة وحدود الصلاحيات: هل ما زالت مناسبة، وهل ظهرت حالات جديدة تحتاج إلى معالجة؟
ولا تُلغِ المراجعة البشرية لأن النتائج الأولى جاءت جيدة. قد تتغير طريقة المراجعة مع الوقت، كأن تكفي مراجعة عيّنة من النتائج في الحالات القليلة الأثر، لكن هذا قرار تتخذه الإدارة بناءً على السجل، ويُكتب في قواعد العملية.
مثال افتراضي: فواتير الموردين
لنفترض أن شركة توزيع تستقبل فواتير مورديها بالبريد الإلكتروني بصيغ مختلفة، ويُدخلها موظفان يدوياً في النظام. تختار الإدارة هذه العملية لأن قواعدها واضحة: كل فاتورة تُطابق أمر شراء واستلاماً مسجلين.
تُضاف خطوة آلية بعد رفع الفاتورة: تقرأ المستند، وتقترح المورد والأصناف والكميات، وتطابقها مع أمر الشراء، وتُظهر الفروقات بوضوح. يراجع الموظف الحقول ويعتمدها، ويُحفظ الاقتراح وقرار الموظف في السجل. أما الفواتير التي لا تجد لها الخطوة أمر شراء مطابقاً فتذهب مباشرة إلى قائمة المراجعة اليدوية.
بعد فترة التجربة تراجع الإدارة السجل: أين احتاجت الاقتراحات إلى تصحيح، وأي الموردين يرسلون صيغاً يصعب قراءتها. وعلى هذا الأساس تقرر التوسع إلى مستندات أخرى، أو تعديل القواعد أولاً.
قائمة تحقق قبل أن تبدأ
- عملية واحدة محددة، تتكرر كثيراً، ولها مالك واضح.
- قواعد مكتوبة يتفق عليها القسم المعني.
- بيانات محددة بالاسم، ومعروف من يحق له رؤيتها وأين تُعالج.
- نقطة واضحة في سير العمل تدخل فيها الخطوة الآلية، وطريقة لاستمرار العمل يدوياً إذا توقفت.
- خطوة اعتماد بشري لكل مُخرَج يؤثر في عميل أو قرار.
- سجل يحفظ المدخلات والاقتراحات وقرارات المراجعة.
- نتيجة متوقعة مكتوبة تُقاس عليها التجربة.
- قواعد مكتوبة للحالات التي لا تكون فيها الميزة متأكدة.
ابدأ صغيراً وبوضوح: عملية واحدة، ونتيجة متوقعة مكتوبة، ومراجعة بشرية لكل مُخرَج مؤثر، وسجل يحفظ ما حدث، ثم توسّع بقرار مبني على ما سجّلته التجربة. وإذا أردت أن تحدد العملية الأولى المناسبة في مؤسستك، أو أن تبني لها ميزة داخل أنظمتك، يمكنك أن تناقش حالتك مع فريق ITS.
الخدمة المرتبطةحلول الذكاء الاصطناعي
